في أزقة القدس الضيقة، والانوار تتلألأ من كل حدب وصوب، والناس تتبادل أطراف الحديث بعد تأديتهم صلاة التراويح، وفي الطريق بعض من زحام، ويخترق مسامعي جميل الكلام، وتركت لأذناي العنان، حتى تفاجئت بيدٍ تربت على كتفي، وصاحبها في السن طاعن، وعلى وجهه سعادة ورضى، عكازه معلّق على يده الأخرى، وجهر بصوته " جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم وفي امثالكم"، بادلته من الكلمات قليلها، فقد أستطربت حديثه، واستعذبت كلامه، فكان أباً محباً موجهاً وناصحاً، حتى فرّقتنا جغرافيا وجهتنا بين شمالٍ وجنوب، وكم فرقت هذه الجغرافيا أناساً وفي كل إتجاه.
وكان أتجاهي صباحاً إلى حيث كنت في المساء، سعادة في القلب دفعتني كي أمر في ذات الطريق التي عبرتها بالأمس، ربما ضوء الشمس لم يتح لأنوار الليل أن تظهر، ولكن النجوم كانت واضحة كلما أدرت وجهي يميناً وشمالاً، كانت الجغرافيا هذه المرة رائعة فقد جمعت ما جمعت في مكانٍ واحد، كانت النجوم تتلألأ وتوجه الناس للتخفيف من حدة الزحام، وآخرون رائعون ينشدون للمصلي الأمن والسلام، على اكتافهم حقائب الإسعاف، ويبرق من الوجوه نوران، نور التطوع حباً في الله، ونور الرضى عن النفس سعياً إلى رضاه، يجتهدون في خدمة المصلين، ويقدمون لهم المساعدة اللازمة، تعبٌ يظهر على الوجوه، وسعادة تتجلى في العيون، ومن فيه مريض أصّر رغم مرضه أن يسجد شكراً لله في مسجدٍ تمنى زمناً أن يسجد فيه شكراً لله خرجت كلمة " جزاكم الله خيراً والله يرضى عليكم، وشكراًً نوران".
سعادة حملت قدماي إلى خيمة الإسعاف في ساحات قبة الصخرة المشرفة، لألتقط صورة هناك، وفعلت، متطوعات تركن بيوتهن، وتركن متابعة ملهياتٍ عن القيام بما يقمن به، وأصررن أن يشاطرن أخوة لهن الأجر والثواب، فكنّ فخراً لذويهم وكانت الكلمات تتكرر " الله يرضى عليكي يا بنتي، وبارك الله فيكن"، كانت كلماتٌ رأيت آثارها على وجوه المتطوعات، سعادة أجزم أنها إستقرت في قلوبهن، وشعرت بها، وفي طريقي مضيت، وتذكرت أني ذات يومٍ القبعة لهم ولهن رفعت.
ومضى يومي حتى ليله، كان يوماً رأيته شاقاً، ولكني إستعجلت نهاراً أخر حتى أعود لمثله، كان رائعاً رغم شقائه، وعلى الوسادة راجعت ما مررت به فيه، أين كانت مواضع الصواب فيما قمت به ؟ وأين أخطأت ؟ بسمة على الوجه إرتسمت، بسمة رضى عن النفس تُرجمت، حركت إشتياقي للقلم، فخط ما كتبت، وفي مخيلتي متطوعو جمعية نوران الخيرية، وقبل أن أغفوا بلساني جهرت "كم أنتم رائعون"، وصباحاً أهنئكم فكل عامٍ وأنتم بألف خير.